الرقصة الأميركية-الإيرانية على وقع طبول الحرب!

•بقلم هادي جان بو شعيا – إعلامي لبناني

بات جليًا أن ارتفاع منسوب القلاقل الذي تشهده المنطقة عمومًا والدول العربية خصوصًا، من المحيط إلى الخليج، يطفو على السطح في ظل تكدّس الملفات الساخنة والحسّاسة.

بدءًا من المتاهات التي دخل بها الملف النووي الإيراني والحرب السورية، مرورًا بالمحاولات العقيمة لإنضاج فكرة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولبنان المنكوب على وقع ضبابية المشهد والعراق الملتهب والمستنزف، وصولاً إلى حرب اليمن التي أفضت إلى أفظع كارثة إنسانية تفتك بأرواح أطفالها وشبابها وشيْبها من الجوع والمرض على نحو أشرس من الأسلحة على اختلافها التي تشهدها منذ قرابة ست سنوات.

إزاء ذلك كله، تمضي الديبلوماسية القصوى التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ببطء لحلحلة الملفات المذكورة أعلاه، وهي تعلم جيّدًا ان مربط الفرس يتجلى بالتوصل سريعًا لإيجاد مخرج يرضي أطراف النزاع المعنية بالملف النووي الإيراني، لما يشكّل من أوزار وأعباء ترخي بثقلها على معظم الحروب الدائرة حاليًّا، والحلول الجوهرية التي تمتلكها إيران في فك شيفرات النزاع القائم كونها جزءًا لا يتجزأ منه على ساحات مختلفة.

يأتي ذلك، في وقت أدرجت فيه الولايات المتحدة الأميركية محققَين تابعيْن للحرس الثوري الإيراني على قائمتها السوداء، موجهةً لهما اتهامات بالضلوع في عمليات تعذيب وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. في ما بدا أنه اوّل إجراء من نوعه ضد طهران في عهد إدارة بايدن.

وتزامن ذلك مع اتصال هاتفي أجراه الرئيس الإيراني حسن روحاني برئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، حيث طالب فيه الأخير طهران بضرورة انتهاز فرصة استعداد الإدارة الأميركية العودة إلى الإتفاق النووي.

فأي دور ستلعبه بريطانيا في هذا المسعى؟

ولماذا يركّز جونسون على ملف المعتقلين في إيران من أصحاب الجنسية المزدوجة في يوم تفرض فيه واشنطن عقوبات متعلّقة بحقوق الإنسان على الجمهورية الإسلامية؟

يتمثل الهدف الرئيسي للمكالمة الهاتفية هذه بالإفراج عن المعتقلة البريطانية نازانين زاغاري راتكليف المحتجزة في إيران لمدة خمس سنوات. اذ ان هناك اموالاً إيرانية مجمّدة في المملكة المتحدة والتي تقدّر بحوالي 400 مليون جنيه استرليني. ولعل المفاوضات الحاصلة تهدف لإيجاد آلية للإفراج عن الأموال المجمّدة في خلال الأيام القليلة المقبلة يقابلها الإفراج عن راتكليف.

وعلى ذكر الأموال الإيرانية المجمّدة، لا بد من التطرق إلى ما أشارت إليه بعض المصادر العراقية، عن موافقة واشنطن على الإفراج عن الأموال الإيرانية الموجودة في العراق وما يرافقها أيضًا من حديث عن افراج مرتقب عن الأموال الإيرانية الموجودة في كل من كوريا الجنوبية واليابان.
والسؤال هنا هل تأتي هذه الخطوات بمثابة مؤشر لبناء ثقة وإعطاء الضوء الأخضر من قبل الولايات المتحدة لدفع الإيرانيين لإعادة إحياء الإتفاق النووي؟
مما لا شك فيه أن من يراقب هذه الخطوات يتيقّن ان هناك مبادرات تنطوي تحت ما يسمى “النوايا الحسنة” من قبل الإدارة الأميركية التي تريد إقناع القيادة الإيرانية بالعودة إلى تعهّداتها والتزاماتها تجاه الإتفاق، خصوصًا وأن إيران بأمسّ الحاجة اليوم لاستعادة أموالها المحتجزة، في ضوء ما يشهده اقتصادها من استنزاف ومعاناة غير مسبوقيْن.

حيث تقدّر الأموال الإيرانية في كوريا الجنوبية بـ800 مليون دولار أميركي، وهذا ما يعزّز سبب الإفراج عن السفينة الكورية التي استولت عليها البحرية الإيرانية، والذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من الإفراج عن الأموال المحتجزة في العراق.

ولعل كل هذه الانفراجات التي تلوح في الأفق يصاحبها حديث جدّي حول توجّه الولايات المتحدة بالسماح للبنك الدولي بإعطاء إيران قرضًا يقدّر بحوالي 5 مليارات دولار بغية التصدي للأزمة الاقتصادية البنوية.

أمام كل هذه المشهدية يمكن القول أن المنطقة تشهد تمهيدًا للأرضية المواتية بغية العودة إلى المفاوضات ما بين الولايات المتحدة وأوروبا والقوى العظمى من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي من المتوقع أن ترى النور في الـ 20 من الشهر الجاري حسب ما جاء على لسان القيادة الفرنسية.
لكن يطرح بعض المراقبين أسئلة حول تزامن فرض عقوبات على عضويْن تابعيْن للحرس الثوري الإيراني.. كيف يمكن تقييمها؟ وهل يصحّ القول أنها تأتي تحت ما يسمى “رفع عتب” من قبل الإدارة الأميركية إزاء تعاملها مع الإيرانيين الآن؟

من المفيد للقارئ ان يعلم ان هكذا إجراءات لا ترتقي لمستوى العقوبات وإنما تندرج تحت ما يعرف بـ”صفع اليد” اذا جاز التعبير، خصوصًا وأن طالت مسؤوليْن من الدرجة الرابعة والخامسة وحتى السادسة والتي تحرمهما من دخول الولايات المتحدة. هل يبالي أفراد تابعين للحرس الثوري الإيراني دخول الولايات المتحدة؟!
هنا لا بد من التوقف عند ما تتعرّض إليه إدارة بايدن لضغوطات غير مسبوقة من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فضلاً عن الضغوط الإسرائيلية واللوبي الصهيوني في أميركا، ناهيك عن الضغوط المتمثلة بحلفاء أميركا في الشرق الأوسط.

لذلك تأتي خطوة العقوبات هذه للإبراق برسائل إلى الداخل الأميركي أنه يستطيع مواجهة إيران وكل ما يحكى عن وهْن وضعف للإدارة عار من الصحة.
بالعودة إلى إمكانية الجلوس إلى طاولة المفاوضات هناك سؤال يُطرح… على أي أساس يمكن إجراء المفاوضات، خصوصًا وأن المجموعة المطالبة اشراكها بأي نقاش مستقبلي ليست مجموعة 5+1 فحسب وإنما هناك دول الخليج وإسرائيل؟

من هنا يمكن أن نستشف ان العقوبات الاخيرة المتواضعة على إيران تذهب باتجاه الداخل والخارج على أنه يحسن التعامل مع من يتهدّد حلفاء أميركا في المنطقة.

وهناك اعتقاد سائد أن الطرفين الأميركي والإيراني سيبدآن بالرقص توازيًا مع بعضهما البعض في الأيام والأسابيع القادمة لأن مصلحة الطرفين تقتضي ذلك.
في وقت تشهد إدارة بايدن ضغوطًا من داخل الحزب الديمقراطي الحاكم، حيث قام 140 نائبًا بتوجيه رسالة لبايدن، في اليومين الأخيرين، يطالبونه بالضغط على إيران لجهة برنامج إيران الپاليستي كما لناحية قضية حقوق الإنسان. وفي حال لم تعد إيران إلى الإتفاق سوف تصبح قوة نووية في خلال السنة القادمة ما سيعرّض المنطقة لنشوب صراع عسكري خطير جدًا وتاليًا حرب مدمرة قد لا تُحمد عقباها.

في الختام، ربما لن يشهد الملف النووي الإيراني اختراقًا، حيث تشوبه خلافات عميقة تبديها الدول المجاورة لإيران.
والسؤال الرئيس كيف ستتجاوب إيران مع الضغوط الأميركية والأوروبية لبرنامجها الصاروخي وقضية سلوكها في المنطقة.
اما السؤال الأوسع من سيقدّم تنازلات أوّلاً أو بالأحرى من سيرقص أوّلاً إيران أم أميركا أم كلاهما في آن واحد؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى