تهديد كبير للبنان: مصارف المراسلة بدأت تقطع علاقتها المالية بالمركزي .. إقصاء مالي فعزلة

ما حذّر منه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مذكّرة وجّهها إلى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، من أن المصارف المُراسلة في الخارج بدأت تقطع علاقاتها المالية مع البنك المركزي، يثير القلق في خضم ما يمر به لبنان من ازمات مالية واقتصادية ونقدية.

ومما لا شك فيه إن كل التجارة الدولية من إستيراد وتصدير تعتمد بشكل شبه حصري على فتح الإعتمادات لدى المصارف المراسلة وبالتالي فإن وقف تعامل المصارف المراسلة مع المصارف اللبنانية يعني بحسب الخبير المالي والاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة لـ” لبنان 24″ أنه سيكون من المستحيل إستيراد السلع والبضائع اللبنانية في المُستقبل إلا عن طريق طرف ثالث كما كان الأمر في إحدى البلدان العربية مما يضيف الكلفة نسبة عالية جدا وهذا الأمر سيتمّ ترجمته على الأرض من خلال نقص في السلع الغذائية والمواد الأولية والأدوية حيث لن يقبل بعدها المورّدون بالتعامل مع لبنان خصوصًا أن لبنان سوق صغير نسبيًا.

لكن ما هو مصير المصارف إذا صح هذا الامر؟ “في الواقع تُشكّل المصارف المراسلة رئة المصارف اللبنانية وبالتالي فإن وقف تعامل المصارف المراسلة مع المصارف اللبنانية يعني القضاء على المصارف اللبنانية من الناحية الاقتصادية ، فهي لن تستطيع بعدها القيام بعمليات على الصعيد الدولي! وبما أن هناك مُشكلة شحّ بالدولارات، فهذا يعني أنه في حال تمّ إقفال كل حسابات القطاع المصرفي اللبناني لدى المصارف المراسلة، تفقد المصارف اللبنانية دورها في اللعبة الاقتصادية وبالتالي يُصبح وجودها شكليا، أو صندوق سحب وإيداع ووسيلة دفع لا غير”، يقول عجاقة.

في الواقع، إن إقفال حسابات القطاع المصرفي لدى المصارف اللبنانية، تُسمّى بعملية إقصاء مالي يكون من بعدها لبنان في عزّلة دولية إقتصاديًا وماليًا ونقديًا. وبالتالي سيكون هناك تدهور كبير على الصعيد المالي والنقدي نظرًا إلى إستحالة قدوم أي دولارات من الخارج عبر القنوات الشرعية. وهذا الأمر إن حصل سيحوّل لبنان إلى عصر ما قبل إنشاء المصارف التجارية! وهو سينعكس مباشرة على التعاملات اليومية للمواطنين ذلاً وفقراً وسرقات بالجملة.
وعليه، فإن السلطة التنفيذية هي التي تتحمّل المسؤولية بالدرجة الأولى نظرًا إلى أن الدستور أعطى السلطة التنفيذية حصرية إدارة شؤون البلاد وبالتالي كان يتوجّب عليها إجراء عمليات تصحيحية منذ سنوات عديدة من خلال موازنات وقوانين تُصحّح المسار الاقتصادي والمالي والنقدي للدولة اللبنانية في ظلّ الأزمات التي عصفت بلبنان وهيكلية إقتصاده البعيدة عن واقع الإقتصادات المعاصرة.
الجدير ذكره أن الأصوات ترتفع منذ عقود لعمليات إصلاحية لكن دون جدوى، لا بل على العكس تمّ الإنفاق خلال 12 عامًا من دون موازنة على أساس القاعدة الإثني عشرية مع إعتمادات من خارج الموازنة وهو ما رفع الدين العام إلى مستويات لا يُمكن للبنان تحمّلها.
أضف إلى ذلك التخبّط السياسي الذي نعيشه حاليًا والذي يمنع تشكيل حكومة تاركا عبء الأزمة المالية والنقدية على قطاع مصرفي محاصر من قبل السياسيين بحيث أصبح عاجزًا عن مواجهة الأزمات والضغوطات السياسية الدولية التي تزداد يومًا بعد يوم على خيارات سياسية وإقتصادية ومالية قامت بها القوى السياسية نفسها من خلال الحكومات المُتعاقبة.

لا شك ان القطاع المصرفي يعمل على مبدأ الثقة وبالتالي الإتهامات التي توجّه إلى القطاع تجعل من المصارف المراسلة تتسأل، بحسب عجاقة، عن مدى الثقة والحكمة من التعامل مع قطاع مصرفي تتهمه السلطة بأخطاء في إدارة أموال المودعين من جهة، ومن جهة أخرى تصوب عليه أيضاً فئة لا بأس بها من الشعب، الامر الذي اثر سلبا على التعاطي الخارجي مع المصارف، وترك قلقا بضياع حقوق المصارف المراسلة بنسبة عالية. ونظرًا إلى التشابك التعاقدي بين المصارف المراسلة والمصارف اللبنانية، تخشى المصارف المراسلة أن يكون هناك ملاحقات قانونية بحق المصارف المحلّية تخلق لها خسائر قانونية وبالتالي ترفع الكلفة المالية عنها – أي على المصارف المراسلة – وهو أمر بنظر هذه الأخيرة لا يستحق المجازفة نظرًا لحجم الأعمال ونظرًا إلى أن لبنان مُفلس في لغة الأسواق المالية مع إعلان حكومة الرئيس حسان دياب وقف دفع سندات اليوروبوندز في 7 أذار 2020.

ما وصل إليه القطاع المصرفي، بحسب عجاقة، هو نتاج ثلاثة عوامل:
أولًا – أخطاء القطاع المصرفي بحد ذاته من خلال التركيز على إقراض الدولة اللبنانية بعملة الدولار حيث لا ملاءة للدولة اللبنانية في هذه العملة منذ عدّة سنوات! والأصعب هو أن لجنة الرقابة على المصارف المولجة بحسب القوانين مراقبة إستثمارات المصارف وأموال المودعين لم تمنع المصارف من القيام بهذا الأمر.
ثانيًا – الضغوطات التي تمارس من قبل السلطة على القطاع المصرفي (متذرعة بأسباب معيشية أساسية) حيث إن هذه الضغوطات كانت خاطئة في الشكل وبالتالي ضربت الثقة بالقطاع المصرفي بدل حمايته – وبالتالي حماية أموال المودعين – ومحاسبة المخالفين في هذا القطاع. ومن أكثر الممارسات خطأ كان التشهير الإعلامي الذي وصلت أصداؤه إلى المصارف المراسلة وأدت إلى أخذ قرار كهذا.
ثالثًا – الضغوطات الدولية على لبنان عبر قطاعه المصرفي حيث أصبح معروفًا لدى الجميع أن هناك عملية تقييد على تدفق الدولارات إلى القطاع المصرفي وهو ما جعل من الأزمة تأخذ أبعادًا مأساوية في المرحلة الأخيرة. وهذا الأمر جعل من المصارف المراسلة تتعرّض لرقابة أكبر (هي في غنى عنها) من قبل السلطات الرقابية في بلدانها وهو أمر لا يُحبّذه القطاع المصرفي في العالم أجمع.

المصدر: هتاف دمام – لبنان 24

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى